المقريزي
46
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وقال ابن جريج : علّم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أبا محذورة الأذان بالجعرانة حين قسم غنائم حنين ، ثم جعله مؤذنا في المسجد الحرام . وقال الشعبيّ : أذن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلال وأبو محذورة وابن أمّ مكتوم ، وقد جاء أن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه كان يؤذن بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند المنبر ، وقال محمد بن سعد عن الشعبيّ : كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاثة مؤذنين ، بلال وأبو محذورة وعمرو بن أمّ مكتوم ، فإذا غاب بلال أذن أبو محذورة ، وإذا غاب أبو محذورة أذن ابن أمّ مكتوم . قلت : لعلّ هذا كان بمكة . وذكر ابن سعد أنّ بلالا أذن بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي بكر رضي اللّه عنه ، وأن عمر رضي اللّه عنه أراده أن يؤذن له فأبى عليه فقال له : إلى من ترى أن أجعل النداء ؟ فقال : إلى سعد القرظ فإنه قد أذن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فدعاه عمر رضي اللّه عنه فجعل النداء إليه وإلى عقبه من بعده ، وقد ذكر أن سعد القرظ كان يؤذن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقباء . وذكر أبو داود في « مراسيله » والدار قطنيّ في « سننه » ، قال بكير بن عبد اللّه الأشج : كانت مساجد المدينة تسعة سوى مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كلهم يصلون بأذان بلال رضي اللّه عنه . وقد كان عند فتح مصر الأذان إنما هو بالمسجد الجامع المعروف بجامع عمرو ، وبه صلاة الناس بأسرهم ، وكان من هدى الصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم المحافظة على الجماعة وتشديد النكير على من تخلف عن صلاة الجماعة . قال أبو عمرو الكندي في ذكر من عرّف على المؤذنين بجامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر ، وكان أوّل من عرّف على المؤذنين أبو مسلم سالم بن عامر بن عبد المراديّ ، وهو من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد أذن لعمر بن الخطاب ، سار إلى مصر مع عمرو بن العاص يؤذن له حتى افتتحت مصر ، فأقام على الأذان وضمّ إليه عمرو بن العاص تسعة رجال يؤذنون هو عاشرهم ، وكان الأذان في ولده حتى انقرضوا . قال أبو الخير : حدّثني أبو مسلم وكان مؤذنا لعمرو بن العاص ، أن الأذان كان أوّله لا إله إلا اللّه ، وآخره لا إله إلّا اللّه ، وكان أبو مسلم يوصي بذلك حتى مات ويقول : هكذا كان الأذان . ثم عرّف عليهم أخوه شرحبيل بن عامر وكانت له صحبة ، وفي عرافته زاد مسلمة بن مخلد في المسجد الجامع وجعل له المنار ، ولم يكن قبل ذلك ، وكان شرحبيل أوّل من رقي منارة مصر للأذان ، وأن مسلمة بن مخلد اعتكف في منارة الجامع ، فسمع أصوات النواقيس عالية بالفسطاط فدعا شرحبيل بن عامر ، فأخبره بما ساءه من ذلك . فقال شرحبيل : فإني أمدّد بالأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر ، فإنههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت ، فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الأذان ، ومدّد شرحبيل ومطط أكثر الليل إلى أن مات شرحبيل سنة خمس وستين .